محمد جواد مغنية
60
في ظلال نهج البلاغة
( ومعايش تحييهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ) . وأيضا من وظيفة الأنبياء أن يرشدوا الناس إلى مذاهب الحياة المشروعة ، ويحذروهم من الحرام ، لأن الدنيا - على آلامها وأحزانها - ماضية بهم إلى الزوال . وبهذا يتبين معنا ان وظيفة الأنبياء هي الانذار والتبشير ، وانهم لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرا ، وما زاد على ذلك من غرائب الأوصاف ، وعجائب الصور فليس من الدين في شيء . ( ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة ) . لا تقوم الحجة للَّه على خلقه إلا بعد البيان منه تعالى ، والمعصية من العبد ، وليس من الضروري أن يكون البيان من رسول اللَّه مشافهة ووجها لوجه ، بل يكون أيضا بكتاب اللَّه كالقرآن ، وبالسنة الثابتة عن رسول اللَّه ، وهي المراد من المحجة القائمة ، أما المقصود من قوله ( ع ) : الحجة اللازمة فهو العقل ، أو المعصوم الذي أشار اليه فيما يأتي من كلامه : « لا تخلو الأرض من قائم بحجة ، إما ظاهرا مشهورا ، واما خائفا مغمورا » . ( رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ) . أي ان عدد الرسل ، وإن كان قليلا فإنهم قاموا بمهمة التبليغ على وجهها ، والعبرة بالكيفية ، لا بالكمية . وهناك بعض الروايات في عدد الأنبياء ، ولكن لا نعرف مكانها من الصحة ، بل لا تهمنا معرفتها ما دام القرآن أهمل الإشارة إلى العدد : * ( ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) * - 164 النساء . واذن فعلام الفضول ( ولا كثرة المكذبين لهم ) . لاقى الأنبياء الكثير من المترفين الطغاة ، وما أكثرهم في كل عصر . . ولكن الأنبياء صبروا صبر الأحرار في سبيل التبليغ والقيام بواجبه ، ومن أقوال الإمام : لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرّقهم عني وحشة . ( من سابق سمى له من بعده ) . أي ان اللَّه سبحانه أخبر وسمى للنبي السابق الذي ذهب بذهاب زمانه ، سمى له النبي الذي يأتي بعده ( أو غابر ) الباقي الموجود بالفعل ، قال تعالى : * ( فَأَنْجَيْناه وأَهْلَه إِلَّا امْرَأَتَه كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) * - 83 الأعراف أي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا ( عرفه من قبله ) . بشّر السابق به ، كما بشّر عيسى ( ع ) بمحمد ( ص ) : « وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل اني رسول اللَّه إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد - 6 الصف » .